languageFrançais

زينة جابر..بحّارة لم تفارق بحر قرقنة رغم قسوته

في أرخبيل قرقنة أو كما تعرف جزيرة قرقنة، حيث يرتبط الناس بالبحر كما يرتبطون بأسمائهم، تجلس زينة جابر، امرأة تجاوزت الستين من عمرها، لكنها ما تزال تخرج إلى البحر كلما استطاعت. تقول بصوت يحمل تعب السنوات وملوحة المياه “أنا بحّارة منذ طفولتي والان عمري 61 سنة ولليوم مازلت نبحر”.

البحر بالنسبة لزينة ليس مجرد مهنة، بل حياة كاملة،  منذ طفولتها، كانت مثل أغلب أبناء وبنات قرقنة، تستيقظ على صوت الموج وتكبر بين الشباك والقوارب.

تراجع الثروة البحرية

تتذكر كيف كانت الجزيرة كلها تعيش من البحر “الصغار يقراو ويرجعوا للبحر، البنات والولاد الكل… البحر كان حياتنا”.

لكن البحر الذي عرفته زينة تغيّر كثيراً، تصفه اليوم ببحر “فارغ”، لم يعد يمنح رزقه كما كان. تتحدث بحسرة عن التلوث، وعن تراجع الثروة البحرية، وعن مناطق كانت مشهورة بالـ“قرنيط” والأسماك ولم يعد فيها شيء، تقول “البحر فرّغوه… ما عادش فيه خير كيما قبل”.

ورغم الشكاوى المتكررة والصعوبات اليومية، تؤكد زينة أن البحارة يشعرون بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة مصيرهم. “تكلمنا وشكينا برشا، أما ما لقيناش حتى نتيجة”، تقولها بنبرة تختلط فيها المرارة بالإرهاق.

عاشت زينة سنوات في تونس العاصمة، حاولت خلالها الابتعاد عن الجزيرة والعمل في مجالات أخرى، حتى أنها اشتغلت في مطعم وبيع السمك. لكنها لم تستطع التأقلم بعيداً عن البحر. تصف غربتها هناك وكأنها اختناق يومي “ما حبيتش العيشة في تونس العاصمة كنت 'نتخنق' كي نرجع لقرقنة نحس روحي رجعت للحياة”.

اختارت في النهاية العودة إلى الجزيرة، رغم الصعوبات وقلة الرزق. بالنسبة لها، البحر ليس خياراً اقتصادياً فقط، بل انتماء وهوية. وتقول “ما نجمش نعيش من غير البحر، البحر هو حياتي الكل”.

الأجيال الجديدة في قرقنة

وتؤمن زينة أن البحر، رغم قسوته، علّمها الكثير الصبر، والقوة، والاعتماد على النفس. تصفه بأنه “أصعب خدمة”، لكنه في الوقت نفسه المدرسة التي صنعت شخصيتها. “تعلمنا الصبر والقوة والمتابعة… وعلمنا كيفاش نثقوا في رواحنا”.
اليوم، تنظر زينة بحزن إلى الأجيال الجديدة في قرقنة، كثير من الشباب لم يعودوا يرون في البحر مستقبلاً، بعدما تراجعت المداخيل وصارت الحياة أصعب.

وتخشى أن يأتي يوم تفقد فيه الجزيرة علاقتها القديمة بالموج.

ورغم كل شيء، ما تزال زينة تخرج نحو الشاطئ، تراقب البحر كما لو كان فرداً من عائلتها. 

بالنسبة لها، لا يمكن فصل قرقنة عن البحر، ولا يمكن فصل حياتها عنه. تختم حديثها بعبارة تختصر رحلة عمر كاملة: “في قرقنة… ما عنا حتى شيء غير البحر”.

صلاح الدين كريمي